محمد عبد الله دراز

142

دستور الأخلاق في القرآن

على أننا مهما تعمقنا في مختلف تيارات الفكر التّشريعي في الإسلام فإنّ

--> - في أنّ الشّرع الإسلامي يقدم دائما إنقاذ الجماعة ، ومصلحتها المشتركة ، والدّائمة ، على حياة الأفراد ومصالحهم العاجلة . ويختم حديثه بقوله : إننا مع احتياطنا للحفاظ على رجالنا - لا ينبغي أن نوقف الحرب ، بل يجب أن نواصلها ولو أصيبوا من جرائها . وإليك مثالا آخر ذا طابع فقهي : هل للقاضي الحقّ في أن يأمر بحبس متهم في سرقة ، دون أن يجد ضده دليلا ماديا ، أو شهادة ، أو اعترافا ، على حين قد يكون في هذه الظّروف غير مذنب ؟ . . إنّ نصّ الشّرع - كما نعلم - يمنع من الإضرار بالناس في أشخاصهم ، أو أموالهم ، أو أعراضهم ، ما داموا لم يستحلوا حراما . ففي صحيح مسلم : 4 / 1986 ح 2564 ، سنن التّرمذي : 4 / 325 ح 1927 ، سنن البيهقي الكبرى : 6 / 92 ح 11276 و : 8 / 249 ، تفسير القرطبي : 10 / 187 و : 16 / 323 ، كشف الخفاء : 2 / 165 ح 1993 ، مسند الشهاب : 1 / 136 ح 175 ، حاشية ابن القيم : 7 / 200 ، مسند أحمد : 2 / 277 ح 7713 ، جامع العلوم والحكم : 1 / 32 و 326 ، شعب الإيمان : 5 / 281 ح 6660 ، الفردوس بمأثور الخطاب : 3 / 266 ح 4792 ، فتح الباري : 10 / 483 ، شرح سنن ابن ماجة : 1 / 105 ح 1416 ، فيض القدير : 4 / 84 و : 5 / 11 ، سبل السّلام : 4 / 194 « كلّ المسلم على المسلم حرام : دمه ، وماله ، وعرضه » . وفي البخاري : 1 / 37 ح 67 وص : 52 ح 105 ، تفسير القرطبي : 2 / 341 و : 4 / 181 و : 10 / 187 ، صحيح مسلم : 2 / 889 و : 3 / 1305 ، صحيح ابن حبّان : 9 / 256 ، المستدرك على الصّحيحين : 1 / 647 ، سنن التّرمذي : 4 / 461 ح 2159 وص : 93 ح 1916 ، مجمع الزّوائد : 1 / 139 و : 3 / 254 « فإنّ دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم عليكم حرام » . بيد أنّ الإمام مالكا يعلل ذلك على الوجه التّالي : بما أنّ من النّادر أن يقر مجرم بجرمه ، أو أن يرتكبه أمام شهود ، أو أن يؤخذ في حال اقترافه للجريمة ، فإنّ أكثر الجرائم سوف تمضي دون عقاب ، إذا ما تمسكنا بهذه الأدلة الكاملة . وعليه ، فمن المعلوم لنا أنّ الشّرع قد عنى عناية كبيرة بإقرار النّظام الاجتماعي والحفاظ عليه ، وأن يعمل بكلّ وسيلة على أن يؤمّن لكلّ فرد مقدرته على أن يمارس حقوقه على ملكيته . فلا بد لنا إذن من أن نلجأ إلى إجراءات أقل تشددا ، يخضع لها المتهم ، لا لكي نغتصب منه مطلقا اعترافا بما لم يفعل ، مجردا من أية صحة ، من حيث كان صادرا عن إكراه ، بل بأمل أن نحمل هذا المتهم على أن يرشدنا إلى دليل واضح . . وجدير بالذكر في هذا المقام أنّ هذه المدرسة ، ترى أيضا أنّ مثل هذه الإجراءات لا تكون شرعية إلا بشرط أن تكون بداية هذا الدّليل قد كشفت من قبل ضد المتهم .